لا أميل عادةً إلى الكتابة عن الأعمال المترجمة؛ لأن معرفتنا بها تظل—مهما حاولنا التماهي—معرفة ناقصة. فالنص المترجم، مهما بلغت براعة نقله، يفقد شيئًا من روحه؛ إذ تظل للغة الأصل سلطة يصعب استعادتها كاملة. ولا تتعلق المسألة بأمانة المترجم وحدها، وإنما بذلك الفائض الدلالي والإيقاعي الذي يتشكل داخل اللغة الأم، ويصعب ترحيله دون خسائر.
ومع ذلك، دفعتني هذه الرواية القصيرة—التي لا تتجاوز خمسًا وثمانين صفحة—إلى استثناء هذا الموقف. فما شدّني فيها لم يكن موضوعها بقدر ما كان أسلوبها السردي؛ ذلك الأسلوب الذي ظل يلاحقني طوال القراءة، بوصفه خيارًا فنيًا واعيًا. وأكاد أظن أن هذا الجانب تحديدًا هو ما حرص المترجم على نقله بأكبر قدر ممكن من الدقة، لأنه العنصر الذي تقوم عليه فرادة العمل.
تقوم الرواية على طريقة خاصة في كشف الأحداث؛ إذ يلتزم الكاتب بمستوى المعرفة ذاته الذي يتكشف له أثناء الكتابة. فلا يسبق القارئ، ولا يتعالى عليه، لكن يسير معه في المسار نفسه، خطوة بخطوة، في نوع من التواطؤ الإنساني النادر بين الكاتب والمتلقي. هذا التوازي في المعرفة يخلق إحساسًا عميقًا بالمشاركة، حتى تبدو الحكاية وكأنها تتكوّن أمامنا.
وهنا تتجلى دقة هذا الاختيار؛ إذ يحاكي الطريقة التي نتعرّف بها، في حياتنا اليومية، إلى حكاياتنا العائلية. فنحن لا نعرفها كاملة ولا مرتبة، بل نلتقطها من شذرات مبعثرة، من أحاديث متقطعة، ومن تلميحات كبار العائلة الذين يترددون أحيانًا في قول الحقيقة كاملة، فيخفون بعضًا منها، ويتركون بعضًا آخر يتسرّب عرضًا في سياق الحديث. وهكذا تتكوّن الحكاية في وعينا: غير مكتملة، غير يقينية، ومفتوحة على التأويل.
ومن هذا المنظور، يغدو الأسلوب السردي استجابة عميقة لما يمكن تسميته «المشترك الإنساني» في تلقي الحكايات. فمن النادر أن نعرف تاريخنا العائلي في صورة سرد مكتمل محكوم بتسلسل منطقي واضح، كما أن الحقيقة لا تنكشف دفعة واحدة كما لو كانت فصلًا في كتاب تاريخ. إنها، في حياتنا، مؤجلة ومجزأة، ومثقلة بالصمت بقدر ما هي مثقلة بالكلام.
ويزداد هذا البناء السردي توترًا وتشويقًا عبر حضور الأم المريضة، التي تهذي باسم حبيبها وزوجها—ذلك الرجل الذي يظنه السارد أباه. وهذا الهذيان يتجاوز كونه عنصرًا دراميًا، ليصبح أداة كشف، أو تسريبًا للحقيقة. فالكلام هنا يصدر عن منطقة ملتبسة بين الذاكرة والغياب، مما يمنحه صدقًا مضاعفًا، ويزيد من غموضه في الوقت نفسه.
وفي مقابل هذا الانكشاف الجزئي، تقف الخالة باعتبارها شخصية واعية بخطورة الحقيقة وأثرها النفسي على ابن أختها. فتضعها أمامه بحذر إنساني لافت، موزّعة خيوطها على امتداد الزمن، كما لو كانت تهيئ المتلقي—داخل النص—لتلقيها. وهنا تظهر إحدى أبرز نقاط قوة الرواية، ذلك التوازن الدقيق بين الحجب والكشف، بين الحماية ومواجهة الحقيقة.
وفي هذا السياق، الخالة تؤدي وظيفة سردية عميقة؛ فهي تنظّم المعرفة داخل النص، وتتحكم في إيقاع الكشف، وتؤجل الصدمة حتى اللحظة التي تظن فيها أن السارد قد أصبح قادرًا على تحمّلها. ومن ثمّ، فإنها لا تبعده عن الحقيقة، بقدر ما تقوده إليها على مهل.
ما يلفت النظر، في نهاية المطاف، أن العمل لا يكتفي بتقديم حكاية عائلية مشوّقة—مع أن لكل منا ميلًا لرؤية قصصه العائلية بوصفها فريدة—إنما يتجاوز ذلك إلى وعيه بكيفية وصول الحكاية نفسها. فالانتباه إلى «طريقة التلقي» وإعادة إنتاجها سرديًا هو ما يمنح النص خصوصيته.
وهذا الوعي، في تقديري، متصل بطبيعة النوع الأدبي ذاته. فالرواية هنا لا تنشغل فقط بما يُروى، لكن بكيفية انكشافه. أي أن السرد يعيد تمثيل تجربة الوصول إلى الوقائع والأحداث. ومن هنا تنبع فرادة هذا العمل، أي في كونه يقدّم الحكاية، ويواكب في الوقت نفسه تشكّلها داخل الوعي الإنساني.
