الأدباء في كل بلد عربي في حاجة ماسّة إلى كتاب مثل كتاب الرائع حسن عبد الموجود “كعب عمل – الأدباء وأكل العيش” (كتاب اليوم، ٢٠٢١)، إذ يكشف الكتاب عن جانب لطالما كان مستورًا من حياة الأدباء؛ بعضهم يخجل منه، وبعضهم ينظر إليه كما لو كان هبة الحياة الغريبة.
أسباب كثيرة أوقعتني في فتنة الكتاب، أهمها احترافية حسن عبد الموجود، وقدرته العظيمة على التخفي خلف قصص الأدباء؛ فهو موجود وغير موجود في آن. يشعرك بوجوده جمال اللغة واستعاراتها اللاذعة، وزوايا التناول، والتقاطات العناوين، ثم ما يلبث أن يسحب كرسي الاستماع ويجلس بجانب المتلقي ليستمع معه، في متعة بالغة، إلى خيبات الأدباء وانتصاراتهم، وركضهم المحموم خلف لقمة العيش، ويا لها من لقمة مضنية.
اللقمة نفسها هي ثاني متع الكتاب؛ فمن خلالها يمكن للقارئ فهم شكل الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مصر. وبخلاف الفهم الذي قد يكون متحققًا لدى البعض، تطلّ غرائبية مصائر الأدباء وتحولاتهم، بين مهن قديمة منقرضة، أو مهن وظيفية لها تبعات قد لا تنجو منها براءة الكتابة، ومهن جديدة متعلقة بالعالم في شكله الحديث، فضلًا عن تحولات الكاتب الواحد بين أكثر من مهنة. هذا كله يجعل ذهن القارئ يتناول العمل كما لو كان رواية أو متتالية قصصية بطلها لقمة العيش؛ فمهما تغيرت البيئات والشخوص، يظل عبد الموجود قابضًا على أصل الفكرة. ولعله لم يكن يذهب أساسًا إلى أي أديب من الأدباء المشاركين في العمل إلا ولديه معرفة مسبقة بأن لديه شيئًا يُقال فيما يخص لقمة عيشه؛ لهذا جاء العمل في حالة من التفاوت من ناحية زاوية قضم لقمة العيش، لكن اللقمة بقيت هي اللقمة.
في مجمل العمل بيان إنساني عظيم، يمثل حالة طبطبة حانية على كتف كل كاتب في هذا العالم العربي. شخصيًا شعرت بهذه الطبطبة التي أورثتني نوعًا من الطمأنينة، ولا بد أن من أسس لهذا العمل ودأب على إخراجه بهذه الحلة الجميلة يحمل قيمة إنسانية مضاعفة؛ إذ كان بمقدوره الذهاب بسهولة إلى مناطق بعيدة عن لقمة العيش، التي مرت قصصها مع الكتّاب أولًا على وجعه الشخصي. وهذا واضح في المناطق التي كان يظهر فيها صوته الموجوع، وهو واضح أيضًا في زوايا التقاطه للحكايات، وتدخلاته اللغوية التي تمثل علامات حضوره الأدبي في العمل.
ولا يفوت حسن، بطبيعة الحال، تقديم الجانب الأدبي لكتّابه؛ فهي الصفة الأولى لوجودهم في عمله، والقارئ سيخرج بقائمة عظيمة لأعمال شعرية وسردية، مع إشارات واضحة إلى الأعمال الأهم في مسيرة كل كاتب من كتّاب عمله. وهذا انتباه قد يغفل عنه صحافي عادي لا يقرأ ولا يتابع كما ينبغي، لكن عبد الموجود يثبت عكس ذلك، ويعطي لكتّاب عمله—رغم خيبات لقمة العيش—حقهم ومكانتهم الأدبية.
أخيرًا، تمنيت ألا يحتوي العمل على أدباء من خارج مصر، لا لخلل أو تقليل من معاناة الكتّاب العرب الذين حضروا في الكتاب، بل لأن كل بلد عربي يستحق أن يكون له “كعب عمل” مستقل، يكشف منطقة ويلات كتّابه مع لقمة العيش؛ فطبيعة الكتاب وفكرته المؤسسة تحتمل، وبجدارة، وجود نسخة خاصة منه في كل بلد عربي.
